فصل: مسألة مسألة خلقية لم اقترن العجب بالعالم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الهوامل والشوامل***


  مسألة طبيعية ما السبب في اشتياق الإنسان إلى ما مضى من عمره

حتى إنه ليحن حنين الإبل ويبكي بكاء المتململ ويطول فكره بتخيله ما سلف وبهذا المعنى هتف الشاعر فقال‏:‏ وقال الآخر‏:‏ رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه‏.‏

وقال الآخر‏:‏ وأرجو غدا فإذا ما أتى بكيت على أمسه الذاهب‏.‏

هذا العارض يعترى إن كان الماضي من الزمان في ضيق وحاجة وكرب وشدة وما ذاك كذاك إلا لسر للنفس الإنسان غير شاعر به ولا واجد له إلا إذا طال فحصه وزال نقصه واشتد في طلب تشميره واتصل في اقتباس الحكمة رواحه وبكوره وكانت الكلمة الحسناء أشرف عنده من الجارية العذراء والمعنى المقوم أحب إليه من المال المكوم وعلى قدر عنايته يحظى بشرف الدارين ويتحلى بزينة المحلين‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو مسكويه - رحمه الله - ليس يشتاق إلى الشباب والصبا إلا أحد رجلين‏:‏ إما فاقد شهواته ولذاته التي سورتها وحدتها وقت الشباب‏.‏

وإما فاقد صحته في السمع والبصر أو بعض أعضائه التي قوتها ووفورها زمن الصبا وحين الحداثة‏.‏

والمعنى الأول أكثر ما يتشوق فإن المكتهل والمجتمع ومن بلغ الأشد الذي لا ينكر شيئاً من حواسه - يتشوق إلى الصبا والشيخ لا يعدم من نفسه ورأيه وعقله شيئاً مما كان يجده في شبابه واللهم إلا أن يهرم ويلحقه الخرف فحينئذ لا يذكر بشيء من التشوق ولا يوصف به ولا يحتج برأيه‏.‏

وههنا سبب ثالث يشوق إلى الصبا وهو أن الأمل حينئذ في البقاء قوي وكأن الإنسان ينتظر أمامه حياة طويلة فكلما مضى منها زمان تيقن أنه من أمده المضروب وعمره المقسوم فاشتاق إلى أن يستأنف به طمعاً في البقاء السرمدي الذي لا سبيل للجسد الفاني إليه‏.‏

إلا المعنى الأول هو الذي ذهب إليه الشعراء فأكثروا فيه وقد صرحوا به وذكروه في أشعارهم‏.‏

والمتشوق إلى شهواته صورته عند الحكماء صورة من أعتق فاشتاق إلى الرق أو صورة من أفلت من سباع ضارية كانت مقرونة به فاشتاق إلى معاودتها‏.‏

وذلك أن الشاب تهيم به قوى الطبيعة عنده الشهوة وعند الغضب حتى تغمر عقله فلا يستشير لبه ولا يكاد يظهر أثر العقل عليه إلا ضعيفاً‏.‏

وقد بينا فيما تقدم من المسائل أن فضيلة الإنسان وشرفه في الجزء الألهي منه وإن كان الجزء الآخر ضرورياً له‏.‏

فقد بان أن السن التي تضعف فيها قوى الطبيعة حتى يقتدر عليها العقل فيزمها ويجرها ذليلة طائعة غير متأبية ولا هائجة - أفضل الأسنان والرجل الفاضل الصالح لا يشتاق من أشرف أسنانه إلى أخسها‏.‏

والدليل البين على أن الأمر على ما حكيناه - أن الشاب العفيف الضابط لنفسه القوى على قمع شهواته مسرور بسيرته وإن كان في جهد عظيم ومحكوم له بالفضل مشهود له به عند جميع أهل العقل وأنه إذا كبر وأسن لم يشتق إلى الشباب لأن ضبطه لنفسه وقمعه لشهواته أيسر عليه وأهون‏.‏

ومن كان فلسفي الطريق شريعي المذهب لم تعرض له هذه العوارض - أعنى التلهف على نيل اللذات والأسف على ما يفوته منها والندم على ما ترك وقصر فيها - بل يعلم أن تلك انفعالات خسيسة تقتضي أفعالاً دنيئة وأن الحكماء - رضى الله عنهم - قد بينوا رذائلها وسطروا الكتب في ذمها وأن الأنبياء - صلوات الله عليهم - قد نهوا عنها وحذروا منها وكتب الله - تعالى وتقدس - ناطقة بجميع ذلك مصدقة له‏.‏

فأي شوق يحدث للفاضل إلى النقص وللعالم إلى الجهل وللصحيح إلى المرض وإنما تلك أعراض تعرض للجهال الذين غايتهم الانهماك في الطبيعة والحواس وطلب ملاذها الكاذبة لا التماس الصحة ولا بلوغ السعادة ولا تكميل الفضيلة الإنسانية ولا معتبر بهؤلاء ولا التفات إلى أقوالهم وأفعالهم‏.‏

  مسألة مسألة خلقية لم اقترن العجب بالعالم

والعلم يوجب خلاف ذلك من التواضع والرقة وتحقير النفس والزراية عليها بالعجز الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله - أما العالم المستحق لهذه السمة فليس يلحقه العجب ولا يبلي بهذه الآفة وكيف يبلي بها وهو يعرف سببها وأنها مرض سببه مكاذبة النفس وذلك أن حقيقة العجب هي ظن الإنسان بنفسه من الفضل ما ليس فيه وظنه هذا كذب ثم يستشعره حتى يصدق به فتكون صورته صورة من يرى رجلاً في الحرب شجاعاً يحمل على الأبطال ويظهر فضيلة شجاعته فيكفي العدو ويفنى القرن وهذا الرأي عنه بمعزل ناكص على عقبيه ناء بجانبه وهو ذاك يدعي تلك الشجاعة لنفسه فهو يكذبها في الدعوى ثم يصير مصدقاً بها وهذا من أعجب آفات النفس وأكاذيبها لأجل أن الكذب فيه مركب فقد يكذب الإنسان غيره ليصدقه الغير فيموه نفسه عليه فأما أن يموه نفسه بالكذب ثم يصدق فيه نفسه فهو موضع العجب والعجب‏.‏

ولأجل هذا التركيب الذي عرض في الكذب صار أشنع وأقبح من الكذب نفسه البسيط المعروف‏.‏

وإذا كان العالم الفاضل لا تقترن به آفة الكذب البسيط لمعرفته بقبحه لا سيما إذا استغنى عنه - فهو من الآفة المركبة أبعد‏.‏

فلذلك قلت‏:‏ إن العالم لا يعجب فقد صارت هذه المسألة مردودة غير مقبولة‏.‏

فأما ما يعرض من العجب لمن يظن أنه عالم فليس من المسألة في شيء‏.‏

  مسألة ما سبب الحياء من القبيح مرة وما سبب التبجح به مرة

وما الحياء أولاً فإن في تحديده ما يقرب من البغية ويسهل درك الحق وما ضمير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحياء شعبة من الإيمان‏.‏

فقد قال بعض العلماء‏:‏ كيف يكون الحياء - وهو من آثار الطبيعة - شعبة من الإيمان والإيمان فعل يدلك آمن يؤمن إيماناً وهناك تقول حيى الرجل واستحيي فيصير من باب الانفعال أى المطاوعة‏.‏وهل يحمد الحياء في كل موضع أم هو موقوف على شأن دون شأن ومقبول في حال دون حال‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ أما الحياء الذي أحببت أن نبدأ به فحقيقته انحصار نفس مخافة فعل قبيح يصدر عنها‏.‏

وهو خلق مرضى في الأحداث فإنه يدل على أن نفسه قد شعرت بالشيء القبيح وأشفقت من مواقعته وكرهت ظهوره منه فعرض لنفسه هذا العارض‏.‏

وإحساس النفس بالأفعال القبيحة ونفورها عنها دليل على كرم جوهرها ومطمع في استصلاحها جداً‏.‏

قال صاحب الكتاب في تدبير المنزل‏:‏ ليس يوجد في الصبي فراسة أصح ولا دليل أصدق لمن آثر أن يعرف نجابته وفلاحه وقبوله الأدب - من الحياء‏.‏

وذلك لما ذكرناه من علة الحياء وبيناه من أمره‏.‏

فأما المشايخ فلا يجب أن يعرض لهم هذا العارض لأنه لا ينبغي لهم أن يحذروا وقوع فعل قبيح منهم لما سبق من علمهم ودربتهم ومعرفتهم بمواضع القبيح والحسن ولأن نفوسهم يجب أن تكون قد تهذبت وأمنت وقوع شيء قبيح منهم فلذلك لا ينبغي أن يعرض لهم الحياء‏.‏

فقد ذكرنا الحياء ما هو وأنه انفعال وأنه يحسن بالأحداث خاصة وذكر سبب حسنه فيهم‏.‏

فأما المسألة عن سبب التبجح بالقبيح فمسألة غير لازمة لأن هذا العارض سببه الجهل بالقبيح وليس يعرض إلا للجهال من الناس والدليل على ذلك أنهم إذا عرفوا القبيح أنه قبيح اعتذروا منه وتركوا التبجح به‏.‏

وإنما يتبجح حين لا يعلم وجه قبحه وهو في تلك الحالإذا تبجح به خرج له وجهاً مموهاً في الحسن فيصير تبجحه بالحسن الذي خرجه أوموه به فإذا تيقن أنه قبيح أو ليس يتموه وجه الحسن فيه - عدل عنه واستحيى منه وترك التبجح به‏.‏

فأما قولة عليه السلام‏:‏ الحياء شعبة من الإيمان فكلام في غاية الحسن والصحة والصدق وكيف لا يكون شعبة منه وإنما الإيمان التصديق بالله عز وجل والمصدق به مصدق بصفاته وأفعاله التي هي من الحسن في غاية لا يجوز أن يكون فيها وفي درجتها شيء من المستحسنات لأنها هي سبب حسن كل حسن وهي التي تفيض بالحسن على غيرها إذ كانت معدنه ومبدأه وإنما نالت الأشياء كلها الحسن والجمال والبهاء منها وبها‏.‏

وكذلك جميع أوامر الله - تعالى - وشرائعه وموجبات العقل الذي هو رسوله الأول ووكيله - عند جميع خلقه - الأقدم‏.‏

ومن عرف الحسن عرف ضده لا محالة ومن عرف ضده حذره وأشفق منه فعرض له الحياء الذي حررناه ولخصناه‏.‏

وصديقك أبو عثمان يقول‏:‏ الحياء لباس سابغ وحجاب واق وستر من المساوىء‏.‏

أخو العفاف وحليف الدين ومصاحب بالتصنع ورقيب من العصمة وعين كالئة يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس‏.‏

وإنما حكيت لك ألفاظه لشغفك به وحسن قبولك كل ما يشير إليه ويدل عليه‏.‏

  مسألة طبيعية ما سبب من يدعى العلم وهو يعلم أنه لا علم عنده وما الذي يحمله على الدعوى ويدينه من المكابرة ويحوجه إلى السفه والمهاترة

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ سبب ذلك محبة الإنسان نفسه وشعوره بموضع الفضيلة فهو لأجل المحبة يدعى لها ما ليس لها لأن صورة النفس التي بها تحسن وعليها تحصل ومن أجلها تسعد - هي العلوم والمعارف وإذا عريت منها أو من جلها حصلت له من المقابح ووجوه الشقاء بحسب ما يفوتها من ذلك‏.‏

ومن شأن المحبة أن تغطي المساوىء وتظهر المحاسن إن كانت موجودة وتدعيها إن كانت معدومة فإن كان هذا من فعل المحبة معلوماً وكانت النفس محبوبة لا محالة عرض لصاحبها عارض المحبة فلم ينكر ادعاء الإنسان لها المعارف التي هي فضائلها ومحاسنها وإن لم يكن عندها شيء من ذلك‏.‏

  مسألة طبيعية ما سبب فرح الإنسان بخبر ينسب إليه وهو فيه وما سبب سروره بجميل يذكر به وليس فيه

الجواب‏:‏ عن هذه المسألة هو الجواب عن المسألة التي قبلها لأن الخير المختص بالنفس هو العلوم الصحيحة والأفعال الصادرة بحسبها عنها‏.‏

فإذا اعترف الإنسان بأن نفسه فاضلة خيره وجب أن يسر لمحبوبه وقد شهد له بالجمال والحسن فلذلك يسر إن ذكر بجميل ليس فيه للعلة التي ذكرناها في المسألة الأولى‏.‏

  مسألة اختيارية لم قبح الثناء في الوجه حتى تواطئوا على تزييفه

ولم حسن في المغيب حتى تمنى ذلك بكل معنى ألأن الثناء في الوجه أشبه الملق والخديعة وفي الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ لما كان الثناء في الوجه على الأكثر إعارة شهادة بفضائل النفس وخديعة الإنسان بهذه الشهادة حتى صار ذلك - لاغتراره وتركه كثيراً من الاجتهاد في تحصيل الفضائل وغرض فاعل ذلك احتراز مودة صاحبه إلى نفسه بإظهار مودته له ومحبته إياه - صار كالمكر والحيلة فذم وعيب‏.‏

فأما في المغيب فإنما حسن لأن قصد المثنى في الأكثر الاعتراف بفضائل غيره والصدق عنه فيها‏.‏

وفي ذلك تنبيه على مكان الفضل وبعث للموصوف والمستمع على الازدياد والإتمام وحض على أسبابه وعلله‏.‏

وربما كان القصد خلاف ذلك أعني أن يكون غرض المثنى في المغيب مخادعة المثنى عليه والطمع في أن يبلغه ذلك عنه فيتنفق عليه ويستميله ويستجر به منافعه وهو حينئذ شبيه بالحالة الأولى في المكر ومستقبح‏.‏

وربما قصد الأول في الثناء والمدح في الوجه الصدق لا الملق فيصير مستحسناً إلا بقدر ما يظن أن الممدوح يغتر به فيقصر في الاجتهاد‏.‏

فقد تبين أن الثناء يحسن بحسب قصد المثنى وأغراضه وبحسب صدقه فيه وكذبه وعلى قدر استصلاحه للمثنى عليه أو استفساده ولكن الأمر محمول على الغائب في الظن والعادة فيه‏.‏

ولما كان الأمر على الأكثر كما ذكرناه وعلى ما حكيناه - قبح في البوه وحسن في المغيب وإن جاز أن يقع بالضد فيحسن في الوجه ويقبح في المغيب‏.‏

  مسألة طبيعية لم أحب الإنسان أن يعرف ما جرى من ذكره بعد قيامه من مجلسه

حتى إنه ليحن إلى أن يقف على ما يؤبن به بعد وفاته ويحب أن يطلع على حقيقة ما يكون ويقال وكيف لم يتصنع لفعل ما يحب أن يكون منسوباً إليه مزيناً به هذا ومحبته لذلك طبيعة لو رام زواله عنها لما أطاق ذاك وإن كابر طباعه وأراد خداعه‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ قد تقدم لنا في بعض هذه الأجوبة التي مضت أن للنفس قوتين‏:‏ إحداهما هي التي بها يشتاق الإنسان إلى المعارف واستثباتها ولما كانت هذه المعرفة عامة له في سائر الأشياء كانت بما يخصه في نفسه التي هي محبوبته ومعشوقته - أولى‏.‏

فالإنسان يشتاق إلى هذه المعرفة بالطبع الأول والقوة التي هي ذاتية للنفس ثم يتزيد هذا فأما تصنعه لفعل ما يحب أن يكون منسوباً إليه فإنه ليس يتركه إلا أن يعترضه عارض آخر من شهوة عاجلة تقاومه فهي أغلب وأشد مجاذبة له كما ضربنا به المثل فيما تقدم من علم المريض بحفظ الصحة وحاجته إليها ثم إيثاره عليها نيل شهوة دنية عاجلة وإن فاتته الصحة المؤثرة في العاقبه‏.‏

ولولا هذه الشهوات الدنية المعترضة على السعادات المؤثرة - ما تميز الفاضل من الناقص ولا مدح العفيف وذم النهم - وكنا حينئذ لا ننتفع بالآداب والمواعظ وكان لا يحسن منا التعب والرياضة فيما على الطبيعة فيه كلفه ومشقة‏.‏

وهذا بين كاف في جواب المسألة‏.‏

  مسألة اختيارية قال لم حمق الشاب إذا تشايخ وأخذ نفسه بالزماته والمتانة

وآثر الجد واقشعر من الهزل ونبا عن الخنا وسدد طرفه في مشيه وجمع عطفه في قعوده وشقق في لفظه وحدق في لحظه‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ السبب في ذلك أن الشاب إذا تشايخ فإنما يظهر أن لا حركة لطبيعته نحو الشهوات وهذه القوة والطبيعة هي في الشباب على غاية التمام والتزايد لأنها في حال النشوء ولا تزال متزيدة إلى أن تبلغ غايتها وتقف ثم تنتقص على رسم سائر قوى الطبيعة فإذا ادعى الشاب مرتبة الشيخ التي قد انحطت فيها هذه القوة علم أنه كاذب فاستقبح منه الكذب والرياء في غير موضعه ومن غير حاجة إليه‏.‏

والكذب إذا كان صراحاً وغير خفي وكان صاحبه يأتيه من حاجة إليه ازداد مقت الناس له واستبدل به على رداءة جوهر النفس‏.‏

فإن اتفق لهذا الشاب أن يكون صادقاً أعني أن تكون طبيعته ناقصة وشهوته خامدة - استدل على نقصان طبائعه وبرىء من عيب الكذب إلا أن يكون مرحوماً لأجل نقص بعض طبائعه عما فطر عليه الناس ويصير بالجملة غير مذموم ولا معيب إذا كان صادقاً‏.‏

وأما إن كان صادقاً في ضبط نفسه مع حداثة سنه والتهاب شهواته ومنازعة قواه إلى ارتكاب اللذات فإن مثل هذا الإنسان لا يلبث أن يشتهر أمره ويعظم ذكره ويصير إماماً معصوماً أو نبياً مبعوثاً أو ولياً مستخلصاً‏.‏

وليس يخفى على الناس المتصفحين حركات الصادق من حركات الكاذب وأفعال المتصنع من أفعال المطبوع‏.‏

على أن هذا الشاب الصادق الذي استثنينا به إنما يوجد في القرانات الكبيرة والأزمنة المتفاوتة فأما المسألة التالية لهذه وهي قولك‏:‏ وعلى هذا لم سخف شيخ تفتى وحرك منكبيه وحضر مجالس اللهو وطلب سماع الغناء وآثر الخلاعة وأحب المجون وما المجون والخلاعة حسب ما جرى ذكرها‏.‏

فإن الجواب عنها شبيه الأولى لأنها عكسها وذلك أن الشيخ إذا ادعى تزيد قوى طبيعته في حال الشيخوخة لم يخل من كذب يمقت عليه - لا سيما وكذبه إنما هو في ادعاء شرور ونقصانات كان ينبغي له ولو كانت موجودة له أن بجحدها - أو صدق يوبخ عليه إذا لم يقهر هذه القوة الغالبة عليه في الزمان الطويل الذي مد له فيه ويتنبه في مثله على الفضائل ويتمكن فيه من رياضة النفس واستكمال التأديب فحاله أقبح من حال الشاب الذي سبق الكلام فيه ولذلك هو أمقت وأقبح صورة عند ذوي العقول‏.‏

فأما المجون فهو المسارعة إلى فعل ما تستدعيه النفس الشهوانية من غير مشاورة للعقل ولا مراقبة للناس‏.‏

وأما الخلاعة فاشتقاقه من خلع العذار الذي يضبط به العقل أفعاله‏.‏

ولفظة العقل شبيهة بذلك لأنه من العقال‏.‏

وكذلك الحجر‏.‏

وخص الجواد بالحدة وهل يجتمع الحلم والجود وهل تقترن الحدة واللؤم وما حكمهما في الأغلب فإن الثابت على وجه غير المتقلب إلى وجه‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ أظنك أردت بالبخيل اللئيم وبينهما فروق‏.‏

وقد تكلمت على مرادك لأن باقي الكلام يدل عليه‏.‏

فلعمري إن ذلك في الأكثر كذلك وإن كان قد ينعكس الأمر فيوجد حليم جواد وبخيل حديد إلا أن الأولى أن يكون الجواد حديداً وذلك أن البخيل هو الذي يمنع الحق من مستحقيه على ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وكما ينبغي فإذا منه البخيل الحق على الوجوه التي ذكرت صار ظالماً وإذا أحس بهذه الرذيلة من نفسه وجب أن يصبر على المتظلمين وهم الذامون لأنه من البين أن البخيل إذا ذمه الذام فإنما يذكره مواقع ظلمه وإخراج الحق الذي عليه على غير الوجوه التي تنبغي‏.‏

وإذا كان الذام صادقاً والبخيل يعرف صدقه بما يجده من نفسه فيجب أن يحلم لا محالة لموافقته الصدق ولأن النفس بالطبع تسكن عند الصدق وتستخذي له فالأشبه بالنظام الطبيعي أن يكون البخيل حلما لما ذكرناه وربما عرض ضد ذلك وهو إذا كان البخيل جاهلاً بالحقوق التي تجب عليه على الشرائط التي ذكرناها فإذا جهل ذلك لم يعرف صدق من يصدقه عنه ولا ظلمه وإنصافه وفيعرف قبح أفعاله فتعرض له رذيلتان‏:‏ إحداهما منع الحق والأخرى الجهل بموضع الحق فربما عرض للجاهل الحدة والنزق والعدول عن الحلم لما ذكرناه وأخبرنا السبب فيه‏.‏

فأما قولك‏:‏ لم خص الجواد بالحدة فمسألة غير مقبولة لأن الجواد ليس يختص بالحدة وذلك أن حقيقة الجود هو بذل ما ينبغي فيالوقت الذي ينبغي على ما ينبغي ومن كانت له هذه الفضيلة لم ينسب إلى الحدة لأن الحديد لا يميز هذه المواضع فهو يتجاوز حد الجواد وإذا تجاوزه سمى مسرفاً ومبذراً ولم يستحق اسم المدح بالجود‏.‏

ولكن لما كانت لغة العرب وعادتها مشهورة في وضع الجود موضع السرف والتبذير حتى إذا كان الإنسان في غاية منهما كان عندهم أشد استحقاقاً لاسم الجود - خفي عليهم موضع الفضيلة ومكان المدح وصارت الحدة المقترنة بالمبذر والمسرف على حسب موضوعهم محمودة لأنها لا تمكن من الروية فيبادر صاحبها إلى وضع الشيء في غير موضعه فيسمى مسرفاً عند الحكاء‏.‏

وقد تبين في كتب الأخلاق أن الجود الذي هو فضيلة وسط بين طرفين مذمومين‏:‏ أحدهما تقصير والآخر غلو‏.‏

فأما جانب التقصير من الجود فهو الذي يسمى البخل وهو مذموم وأما الجانب الذي يلي الغلو فهو الذي يسمى السرف‏.‏

والواجب على من أحب استقصاء ذلك أن يقرأه من كتب الأخلاق فإنها تستغرق شرحه‏.‏

  مسألة طبيعية واختيارية لم كان الإنسان محتاجاً إلى أن يتعلم العلم

ولا يحتاج إلى أن يتعلم الجهل ألأنه في الأصل يوجد جاهلاً فما علة ذلك فبإثارة علته يتم الدليل على صحته‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ قد تبين في المباحث الفلسفية أن العلم هو إدراك النفس صور الموجودات على حقائقها ولما قال بعض الأوائل‏:‏ إن النفس مكان للصورة استحسنه أفلاطون وصوب قائله لأن النفس إذا اشتاقت إلى العلم الذي هو غايتها نقلت صورة المعلوم إلى ذاتها حتى تكون الصورة التي تحصلها مطابقة لصورة المنقول منه لا يفضل وإن كانت الصورة المنقولة إلى النفس غير مطابقة للمنقول فليس بعلم‏.‏

وهذه الصورة كلما كثرت عند النفس قويت على استثبات غيرها والنفس في هذا المعنى كالمناصب للجسد وذلك أن الجسد إذا حصلت فيه صورة ضعف عن قبول صورة غيرها إلا بأن تنمحي الصورة الأولى منه أو تتركب الصورة الأولى والثانية الواردة فتختلط الصورتان ولا تحصلان ولا إحداهما على التمام وليست النفس كذلك‏.‏

ولما كانت نفس الإنسان هيولانية مشتاقة إلى الكلام الموضوع لها بأن يتصور بصورة الموجودات كلها أعني الأمور الكلية دون الجزئية وكانت قوية على ذلك وكانت صورة الموجودات فيها غير مضيفة بعضها مكان بعض بل هي بالضد من الأجسام في أنها كلما استثبتت صورة في ذاتها قويت على استثبات أخرى وخلصت الصور كلها بعضها من بعض وذلك بلا نهاية - كان الإنسان محتاجاً إلى تعلم العلم أي إلى استثبات صور الموجودات وتحصيلها عنده‏.‏

فأما الجهل فاسم لعدم هذه الصور والمعلومات ونحن في اقتناء هذه الصور محتاجون إلى تكلف واحتمال مشقة وتعب إلى أن تحصل لنا‏.‏

فأما عدمها فليس مما يتكلف ويتجشم بل النفس عادمة لذلك‏.‏

ومثل ذلك من المحسوس صورة لوح لا كتابة فيه وإثبات الكتابة وصور الحروف يكون بتكلف فأما تركه بحاله فلا كلفه فيه إلا على مذهب من يرى صور الأشياء موجودة للنفس بالذات وإنما عرض لها النسيان وان العلم تذكر وإزالة لآفة النسيان عن النفس‏.‏

ولو كان الأمر كذلك لكان جواب المسألة بحسب هذا المذهب بيناً في أن التعب بإزالة آفة واجب وتركه مأووفاً لا تعب فيه‏.‏

ولكن هذا المذهب غير مرغوب فيه والشغل به في هذا الموضع فضل لأنه ليس من المسألة في شيء وإن كان الكلام قد جر إليه ولكنا ندل على موضعه فليؤخذ من هناك وهو كتب النفس‏.‏

فقد تبين أن العلم تصور النفس بصورة المعلوم والتصور تفعل من الصورة‏.‏

والجهل هو عدم الصورة فكيف يستعمل التفعل من الصورة في عدم الصورة هذا محال‏.‏

  مسألة طبيعية لم شارك المعجب من نفسه المتعجب منه

مثال ذلك‏:‏ شاعر يفلق في قافية فيتعجب منه السامع حسب ما اقتضى بديعه فالشاعر لم يتعجب أيضاً وهو المتعجب منه وهذا نجده في النظم والنثر والجواب والكتاب والحساب والصناعة‏.‏

وعلى ذكر التعجب ما التعجب وعلى ماذا يدل فقد قال ناس فيه كلاماً‏:‏ قل لبعض الحكماء‏:‏ ما أعجب الأشياء قال‏:‏ السماء بكوا كبها‏.‏

وقال آخر‏:‏ أعجب الأشياء النار‏.‏

وقال الآخر‏:‏ أعجب الأشياء لسان الناطق‏.‏

وقال الآخر‏:‏ أعجب الأشياء العقل اللاحق‏.‏

وقال الآخر‏:‏ الشمس‏.‏

قال أرسسططاليس‏:‏ أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه‏.‏

وقال الآخر‏:‏ بل أعجب الأشياء الجهل بعلة الشيء‏.‏

فعلى قياد ما قال أولئك كل شيء عجب‏.‏

وعلى ما وضع ما قال هذا الحكيم كل مجهول سببه فهو عجب كان ذلك من الحقير أو من النفيس‏.‏

وقال آخر‏:‏ أعجب الأشياء الرزق فإن مناطه بعيد وغوره عميق والعقل مع شرفه فيه جيران والعاقل مع اجتهاده سكران‏.‏

وقال آخر‏:‏ لا عجب‏.‏

فما هذا التفاوت والتباين وليس في الحق اختلاف ولا في الباطل ائتلاف وعلى ذكر الحق والباطل ما الحق والباطل وينتظم في هذا الفصل‏.‏

قال بعض الأولين‏:‏ أعجب الأشياء إكداء الوافر ومنال العاجز‏.‏

وقال آخر من الصوفية‏:‏ - وشاهدته وناظرته واستفدت منه - أعجب الأشياء بعيد لا يجحد وقريب لا يشهد وهو الحق الأحد‏.‏

وعلى ذكر الله تعالى بم يحيط العلم من المشار إليه باختلاف الإشارات والعبارات أهو شيء يلتصق بالاعتقاد أم هو مطلق لفظ بالاصطلاح أم هو إيماء إلى صفة من الصفات مه الجهل بالموصوف أم هو غير منسوب إلى شيء بعرفان فإن كان منعوتاً بنعت فقد حصره الناعت بالنعت‏.‏

وإن كان غير منعوت فقد استباحه الجهل وزاحمه المعدوم‏.‏

ولا بد من الإثبات إذا إستحال النفي وإذا وقف الإثبات والنفى على المثبت النافي فقد سبق إذن كل إثبات ونفى‏.‏

فإن كان سابقاً كل هذه الألفاظ وجميع هذه الأغراض فما نصيب العارف وما بغية ما ظفر به الموحد هيهات‏!‏ هيهات‏!‏ اشتد الغلط ورجع كل إلى الشطط وفات الله الفهم والفاهم والوهم والواهم وبقي مع الخلق علم مختلف فيه وجهل مصطلح عليه وأمر قد تبرم به ونهى قد ضجر منه‏:‏ وحاجة فاضحة وحجة داحضة وقول مزوق ولفظ منمق وعاجل معشق وآجل معوق وظاهر ملفق وباطن ممزق‏.‏

إلى الله الشكوى من غلبات الهوى وسطوات البلوى إنه رحيم ودود‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو مسكويه - رحمه الله‏:‏ هذه المسألة التي ذنب فيها صاحبها بمسائل أعظم منها وأبعد غورا وأشد اعتياصاً وأصابه فيها ما كان أصابه قبل في مسألة تقدمها فظهر لي في عذره أنه داء يعتريه ومرض يلحقه وليس من طغيان القلم ولا سلاطة الهذر ولا أشر الاقتدار في شيء كما أنه ليس من جنس ما يستخف المتكهن عند الكهانة ولا من نمط ما يعترى المتواجد من الصوفية وما أحسبه إلا من قبيل المس والخبل والطائف من الشيطان الذي يتعوذ بالله منه فلقد أطلق في سجاعته القافية بما تسد له الآذان وتصرف عنه الأبصار والأذهان‏.‏

ولولا أنه اشتكى إلى الله تعالى في آخرها من سطوات البلوى فاعترف بالآفة واستحق الرأفة لكان لي في مداواته شغل عن تسطير جواباته‏.‏

إفهم - عافاك الله - أن أثار النفس وأفعالها كلها بديعة عند الحس وأصحابه ولذلك تجد أكثر الناس متعجبين من النفس نفسها ومتحيرين فيها ظانين بها ضروب الظنون وليس يخلون مع كثرة تفننهم في هذه الظنون من أن يجعلوها جسماً على عاداتهم في الحس وتصورهم في المحسوسات ثم يجدون أفعال هذه النفس وآثارها غير مشبهة شيئاً من آثار الجسم وأفعاله فيزداد تعجبهم ولو أنهم حصلوا مائية النفس لكان تعجبهم من آثارها أقل إذ كانت هي غير جسم ولو صح لهم أنها جسم لم يكن بديعاً عندهم أن تكون آثارها غير جسمانية‏.‏

ولما كان الشاعر المفلق والناظر في المسألة العويصة مكن الحساب وغيره من الصناعات - إنما يستدعي نظراً نفسانياً ووجوداً عقلياً ويحرك نفسه حركة غير مكانية ليظفر بمطلوب غير جسماني ثم وجد هذه الحركة من النفس مفضية بالإدمان والإمعان إلى وجود المطلوب - عجب هو أولاً من هذه الحركة التي يجدها من نفسه ضرورة وليست مكانية على عادة الجسم في حركة الجسم ثم من وجوده المطلوب بعقب هذه الحركة‏.‏

عرض له هذا العارض من التعجب ولم يكن السامع أولى بهذا التعجب منه لأنهما قد اشتركا في الجهل بالنفس وبآثارهما وأفعالهما وكل واحد منهما حقيق بالتعجب‏.‏

فأما العارف بالنفس وجوهرها العالم أنها ليست بجسم وأن آثارها وأفعالها لا يجب أن تكون جسمانية - فإنه لا يعترض له هذا العارضفي نفسه وكذلك صورة مستمعة إذا كان عالماً فأما التعجب نفسه الذي سأل عنه السائل في عرض مسألته الأولى فإنه حيرة تعرض الإنسان عند جهل السبب فكلما كانت المعرفة بأسباب الموجودات أقل كانت المجهولات أكثر والتعجب بحسبها أشد وبالضد إذا كانت المعرفة بأسباب الموجودات أكثر كانت المجهولات أقل والتعجب بحسبها أقل ولذلك قال قوم‏:‏ كل شيء عجب‏.‏

وقال قوم‏:‏ لا عجب من شيء‏.‏

فإن كانت الطائفة الأولى اعترفوا بالجهل العام وزعموا أنهم يجهلون أسباب الأمور فالطائفة الثانية ادعت لنفسها مزية عظيمة لأنهم زعموا أنهم يعرفون أسباب الأمور‏.‏

فأما قولك - أعزك الله - عندما عددت أقوال المتكلمين في التعجب - ما هذا التفاوت والتباين وليس في الحق اختلاف ولا في الباطل ائتلاف فالجواب‏:‏ أن التعجب ليس بشيء له طبيعة ولا وجود له من خارج وإنما هو كما ذكرنا النفس عند جهلها السبب ولما كان ما يجهله زيد قد يعلمه عمرو ولم ينكر تفاوتهما في العجب لأن كل واحد منهما متعجب مما يجهل سببه ومجهول هذا هو بعينه معلوم هذا‏.‏

وإنما كانت تكون المسألة عويصة وبديعة لو كان لأمر ما وجود من خارج ثم اختلف فيه قوم فضلاء يعتد بآرائهم ويذكر تباينهم وقال قوم منهم‏:‏ هو حق وقال آخرون‏:‏ هو باطل‏.‏

على أن مثل هذا قد وقع في مسألة الخلاف وفي الزمان والمكان والعدم وأشباهها من المسائل فقال قوم‏:‏ هي جواهر لا أجسام لها وقال قوم‏:‏ هي أعراض وقال آخرون‏:‏ ليست أجساماً ولا جواهر ولا أعراضاً‏.‏

واحتج كل قوم بحجج قوية‏.‏

إلا أن جميع هذه المذاهب تحررت في زمان الحكيم واستقر قرارها ووضح مشكلها وبان صحيحها من سقيمها‏.‏

وليس من شأننا الإطالة في هذه المسائل فنذكرها ونحكيها‏.‏

فإن أحببت معرفتها فقف عليها من مظانها وجرد لها مسائل لنفرد لها زماناً ونظراً إن شاء الله‏.‏

وأما سؤالك في آخر هذه المسألة‏:‏ بم يحيط على الخلق من المشار إليه بقولنا الله باختلاف الإشارات والعبارات مع سائر ما ذكرت فغير معترف بشيء منه ولا يقول أحد إنه يحيط علمه بشيء من هذا ولا يلصق به كما ذكرت ولا يعترف أيضاً بهذه النعوت فيه‏.‏

والكلام في هذا الموضوع لا يمكن استقصاؤه إذ كان جميع سعى الحكماء بالفلسفة إنما ينتهى إلى هذا وإياه قصد بالنظر كله وليس يمكن أن يتكلم فيه إلا بعد جميع المقدمات التي قدمت له ومهدت لأجله أعنى الرياضيات والطبيعيات ثم ما بعد الطبيعة من علم النفس والعقل ثم بعد معرفة جميع هذه الجواهر الشريفة يمكن أن يعلم أنها محتاجة ناقصة متكثرة مضطرة إلى سبب أولى وموجد قديم ومبدع ليس كهي في ذات ولا صفة فيكون هذا الجهل أشرف من كل علم سبقه وهو من الصعوبة والغموض بحيث تراه‏.‏

ولو كان إلى معرفة هذا الموضع طريق غير ما ذكرناه لسلكه القدماء وأهل الحرص على إشاعة الحكمة وإذاعتها فإنهم - رضى الله عنهم - ما أسفوا ولا بخلوا ولكن لم يجدوا إلى هذا المطلوب إلا طريقاً واحداً فسلكوه وسهلوه بغاية جهدهم ودلوا عليه وأرشدوا عليه وهو غاية سعادة البشر فمن اشتاق إليه فليتكلف الصبر على سلوك الطريق إليه صعباً كان أو سهلاً وطويلاً كان أم قصيراً على عادة المشتاق فإنه يسلك السبيل إلى الظفر بمحبوبه كيف كانت غير مفكر في الوعورة والبعد‏.‏

ومن لم يعط الصبر على هذا السلوك فليقنع برخص الألفاظ والصفات المطلقة له في الشرائع الصادقة المعتادة وليصدق الحكماء والأنبياء والمقتدين بهم وليحسن الظن فليس يجد غير هذين الطريقين‏.‏

والله ولى المعونة والتوفيق‏.‏

والتحمت الزلفة وطال العهد - سقط التقرب وسمج الثناء ومن أجله قيل‏:‏ إذا قدم الإخاء سقط الثناء‏.‏

وهذا عيانة مشهود وخبره موجود‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إن الثناء في الوجه وغير الوجه إنما هو إعطاء المثنى عليه حقوقه من أوصافه الجميلة والاعتراف بها له وإعلامه أن المثنى قد شعر بها وأوجبها له وسلمها إليه ليصير ذلك له قربة ووسيلة ولتحدث بينهما المودة والمشاكلة وليستجلب الود وتستحكم المعرفة‏.‏

فإذا حصلت هذه الأمور في نفس كل واحد منهما وعلم المثنى عليه أن المثنى قد أنصفه وسلم إليه حقه واعترف له بفضله ولم يبخسه ماله وحدثت المودة والمحبة التي هي نتيجة الإنصاف وثمرة العدل وقدمت هذه الحال وأتى عليها الزمان - سمج تكلف إظهار ذلك ثانياً لذهاب الغرض الأول وحصول الثمرة المطلوبة بالسعى الأول‏.‏

وتكلف مثل هذا عبث وسفه مع ما فيه من إيهام ضعف اليقين الثناء الأول وأنه احتاج إلى تطرية وتجديد شهادة لأن الشهادة الأولى كانت زوراً وظناً مرجماً‏.‏

وهذا توهين لعقد المودة التي شهد لها في المسألة بشدة الأسر واستحكام الأصل ووثاقة‏.‏

  مسألة طبيعية لما صار الأعمى يجد فائته من البصر في شيء آخر

كمن نجده من العميان من يكون ندى الحلق طيب الصوت غزير العلم سريع الحفظ كثير الباه طويل التمتع قليل الهم‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إن للنفس خمسة مشاعر تستقي منها العلوم إلى ذاتها وكأنها في المثل منافذ وأبواب لها إلى الأمور الخارجة عنها‏.‏

أو مثل أصحاب أخبار يردون إليها أخبار خمس نواح‏.‏

وهي متقسمة القوة إلى هذه الأشياء الخمسة‏.‏

ومثالها أيضاً في ذلك مثال عين ماء ينقسم ما ينبع منها إلى خمسة أنهار في خمسة أوجه مختلفة‏.‏

أو مثال شجرة لها خمس شعب وقوتها منقسمة إليها‏.‏

وقد علم أن هذه العين متى سد مجرى ماء أحد أنهارها توفر على أحد الأنهار الأربعة الباقية أو انقسم فيها بالسواء أو على الأقل والأكثر منها وليس يغور ذلك القسط من ماء النهر المسدود ولا يغيض ولا يضيع‏.‏

وكذلك الشجرة إذا قطعت شعبة من شعبها صار الغذاء الذي كان ينصرف إليها من أصول الشجرة وعروقها - متوفراً على شعبها الأربع الباقية حتى تبين في ساقها وورقها وأغصانها وفي زهرها وحبها وثمرها وقدعرف الفلاحون ذلك وأصحاب الكروم فإنهم يقضبون من الشجر الشعب والأغصان التي تستمد الغذاء الكثير من الأصول ليتوفر على الباقي فيصير ثمراً ينتفعون به‏.‏

وكذلك صنيعتهم في الأشجار التي لا تثمر إذا أحبوا أن تغلظ ساق واحدة منها وتستوى في الانتصاب ويسرع نموها كأشجار السرو والعرعر والدلب وأشباهها مما يحتاج إلى خشبه بالقطع والنحت والنجر فإنهم يتأملون أي الأغصان أولى بأن ينبت مستوياً غير مضطرب وأيها أحق بالأصل الذي يمده بالغذاء فيبقونه ويحذفون الباقي فينشأ ذلك الغصن في أسرع زمان وأقصر مدة لأنصراف جميع الغذاء إليه‏.‏

وإذا كان هذا ظاهراً من فعل الطبيعة فكذلك حال الأعمى في أن إحدى قوى نفسه التي كانت تنصرف إلى مراعاة حس من حواسه لما قطعت عن مجراها توفرت النفس بها إما على جهة واحدة أو جهات موزعة فتبينت الزيادة وظهرت إما في الذهن والذكاء أو الفكر أو الحفظ أو غيرها من قوى النفس‏.‏

وهذا يبين لك أيضاً باعتبار الحيوانات الأخر فإن منها ما هو في أصل الخلقة وبالطبع مضرور في أحد حواسه أو فاقد له جملة وهو في الباقيات منها أذكى من غيره جداً كالحال في الخلد فإنه لما فقد آلة البصر كان أذكى شيء سمعاً وكالحال في النحل فإنه لما ضعف بصره كان أدهى من المبصرات شماً‏.‏

وأنت تعرف ضعف بصر النحل والنمل والجراد والزنانير وما أشبهها من الحيوانات التي لا تطرف ولم تخلق لها جفون وعلى أبصارها غشاء صلب حجري يدفع عنها الآفات - بما يعرض لها في البيوت التي لها جامات الزجاج فإن أحدها يظن أن الجام كوة نافذة إلى الهواء فلا يزال يصدمه إرادة للخروج إلى أن يهلك‏.‏

فأما صدق شمه فهو ظاهر بما يقصده من المشمومات عن المسافة البعيدة جداً‏.‏

فأما تمتع الأعمى بالباه وقلة الهم فإن سببه أيضاً فقد النفس إحدى آلاتها التي كانت تقتطعه عن هذه الأشياء بمراعاتها فإذا انصرفت إلى الفكر في شيء آخر قوى فعلها فيه‏.‏

ولما كانت الاهتمامات بالمبصرات كثيرة ودواعي النفس إلى اقتنائها شديدة كالملبوسات وأصنافها والمفروشات وأنواعها والمتنزهات وألوانها وبالجملة جميع المدركات بالبصر - ثم فقدته انقطعت عن أكثر الأشياء التي هي هموم الإنسان وأسبابه في الفكر واستخراج الحيل

  مسألة طبيعية واختيارية لم قال الناس لا خير في الشركة وهذا نجده ظاهر الصحة

لأنا ما رأينا ملكاً ثبت ولا أمراتم ولا عقداً صح بشركة وحتى قال الله - عز ذكره - ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا‏}‏ وصار هذا المعنى أشرف دليل في توحيد الله - جل ثناؤه - ونفى كل ما عداه‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إنما صارت الشركة بهذه الصفة لأن كل من استغنى بنفسه وكفته قوته في تناول حاجته لم يستعن فيها بغيره فإذا عجز واحتاج إلى معاونة غيره اعترف بالنقص واستمد قوة غيره في تمام مطلوبه‏.‏

ولما كان العجز مذموماً والنقص معيباً كانت الشركة التي سببها العجز والنقص معيبة مذمومة لأنه يستدل بها على نقص المتشاركين جميعاً وعجزهما‏.‏

على أن الشركة للإنسان ليست مذمومة في جميع أحواله بل إنما تذم في الأشياء التي قد يستقل بها غيره وينفرد باحتمالها سواه كالكتابة وما أشبهها من الصناعات التي لها أجزاء كثيرة وقد يجمعها إنسان واحد فيستقل بها وينفرد بالصناعة أجمعها فإذا نقص فيها آخر واحتاج إلى الإستعانة بغيره ظهر نقصه وبان عجزه ودخل في صناعته خلل‏.‏

أو كاحتمال مائة رطل من الثقل فإن الإنسان الواحد يكمل له ويستقل به فإذا احتاج إلى غيره في احتماله دل على نقصه وعجزه وخوره‏.‏

ثم يعرض في الأمر المشترك فيه من النقص والتفاوت لأجل القوى المختلفة والهمم المتباينة والأغراض المتضادة التي قد تعاورته - ما لا يعرض في غيره من الأمور التي ينفرد بها ذو القوة الواحدة وتخلص فيها همة واحدة ويختصها غرض واحد فإن مثل هذا ينتظم ويتسق ويظهر فيه فضل بين على الأول‏.‏

فأما الأمور التي لا يكمل الإنسان الواحد لها ولا يستقل بها أحد فإن الشركة واجبة فيها كاحتمال حجر الرحى ومد السفن الكبار وغيرها من الصناعات التي تتم بالجماعات الكثيرة وبالشركة والمعاونة فإن هذه الأشياء وإن كانت الشركة فيها واجبة لعجز البشر وكان الذم ساقطاً ومصروفاً عن أصحابها بما وضح من عذرهم فيها - فإن المعلوم من أحوالها أنها لو ارتفعت بقوة واحدة وتمت بمدبر واحد كانت لا محالة أحسن انتظاماً وأقل اضطراباً وفساداً وأولى بالصلاح وحسن المرجوع‏.‏

فالشركة بالإطلاق دالة على عجز الشريكين وعائدة بعد على الأمر المشترك فيه بالخلل والفساد عما يتم بالتفرد وإن كان البشر معذورين في بعضها وغير معذورين في بعض‏.‏

وأما الملك البشري فإنه لما كان من الأمور التي تنتظم بتدبير واحد وأمر واحد - وإن اشتركت فيه الجماعة فإنهم يصدرون عن رأي واحد ويصيرون كآلات للملك فتتآحد الكثرة ويظهر النظام الحسن - كان الاستبداد والتفرد به أفضل لا محالة كما مثلناه فيما تقدم‏.‏

فإذا اختلفت الجماعة التي تتعاون فيه ولم تصدر عن رأي واحد ظهر فيه من الخلل والوهن والتفاوت ما يظهر في غيره باختلاف الهمم وانتشار الكثرة المؤدي إلى فساد النظام المتآحد ثم يكون فساد أعم وأظهر ضرراً بحسب غنائه وعائدته وعظم محله وجلالة موضعه‏.‏

وقد أبان الله - تعالى - جميع ذلك بأخصر لفظ وأوجز كلام وأظهر معنى وأوضح دلالة في قوله عز من قائل ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا‏}‏ سبحانه وجل ثناؤه ولا إله غيره‏.‏

  مسألة اختيارية لم فزع الناس إلى الوسائط في الأمور

مع ما قالوه في المسألة الأولى من فساد الشركة والشركاء حتى إن جماهير الأمور ومعاظم الأحوال في الشريعة والسياسة لا تتم ولا تنتظم إلا بوسيط يلحم ويسدي ويرتق ويفتق ويحسن ويجمل‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ لما كانت ضرورات الناس داعية إلى شركة الأحوال التي قدمنا ذكرها في المسألة الأولى وكان كل إنسان يحب نفسه ويحب لها المنفعة ويحرص على الاستئثار بها دون صاحبه - ظهر الفساد وحدث التظالم الذي ذكرته في المسألة المقدمة ولم يثق أحد المشاركين في الأمر بصاحبه لأنه ذو نصيب فيه ومحبة للمنفعة العائدة منه لنفسه وكان للهوى تطرق إليه وتسلق عليه فاحتاجا إلى واسطة تكون حاله في ذلك الأمر برية من حالهما ليعتدل حكمه ويصح رأيه ويعطى كل واحد قسطه ونصيبه من غير حيف ولا هوى‏.‏

وليس يجب إذا كانت الشركة مذمومة أن يخلو منها الإنسان لأنه يضطر بالضعف البشري إليها كما ضربنا له المثل من الحمل الثقيل أو كثرة أجزاء الشيء المنظور فيه‏.‏

فإن تركت الشركة في مثل هذه الأمور وأهملت المعاونة فات ذلك الأمر دفعة وفي فوته فوت منافع عظام فكان تحصيله على ما يقع فيه من الخلل أولى من تركه رأساً‏.‏

وأكثر أمور البشر لا يتم إلا بالمعاونة والتشارك لعجزهم عن التفرد ونقصهم عن الكمال وظهور أثر الخلق والإبداع فيهم فلما كان المتشاركون في الأمر أكثر عددا والآراء أشد اختلافاً والأهواء أغمض مدخلاً - كانت الحاجات إلى الوسائط أصدق والضرورة إليهم أشد‏.‏

والسياسة من هذه الأمور أعني التي تكثر فيها الأهواء ويحتاج فيها إلى الإشتراك والتعاون فيحتاج فيه إلى من يصدق رأيه ويسلم من الهوى والعصبية فإن أمكن أن يكون الوسيط خلوا من ذلك الأمر كان أجدر بالحكم العدل والرأى الصائب وإن لم يكن ذلك اجتهد أن يكون حظه في الأمر أقل من حظ المختصمين أو يكون أكثر ضبطاً للنفس وأقمع للهوى وأكثر رياضة من غيره وكل ذلك ليسلم من داعي الهوى والميل معه والانصباب إليه لتتفق الكلمة ويحدث العدل الذي هو سبب التآحد وزوال الكثرة‏.‏

  مسألة طبيعية خلقية لم طال لسان الإنسان في حاجة غيره إذا عنى به

وقصر لسانه في حاجته مع عنايته بنفسه وما السر في هذا‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ بنية الإنسان وتركيبه ومبدأ خلقه وقه على أنه ملك فكل إنسان له أن يكون ملكاً بما أعد له من القوى المساعدة عليه ولا ينبغي لأحد أن يقصر عن أحد في هذا المعنى إلا لآفة أو نقص في البنية‏.‏

ولما عرض للواحد بعد الواحد أن يسأل غيره مع أن موضوعه موضوع الآخر ولم يكن بأن يحتاج إلى صاحبه أولى من أن يحتاج صاحبه إليه - وجب أن تحدث له عزة ن ? فس تمنعه من التذلل‏.‏

ولهذه العلة وجب التمدن وحدث الاجتماع والتعاون وحسن بين الناس التعامل وأن يدفع الإنسان إلى صاحبه حاجته إذا كانت عنده ليستدعي مثلها منه فيجدها أيضاً عنده‏.‏

فالسائل إذا لم يكن معوضاً ولا معاملاً والتمس الرفد من غيره من غير مقابلة عليه ولا وعد من نفسه بمثله - كان كالظالم وأيسر ما فيه أنه قد حط نفسه عن رتبة خلق عليها وندب إليها فقصر لسانه واحتقر نفسه‏.‏

فأما إذا تكلم في حاجة غيره لم يعرض له هذا العارض فكأنه إنما يحيل بهذا النقص على من تكلم عنه فانطلق لسانه ولم تذل نفسه‏.‏

  مسألة طبيعية خلقية ما سبب الصيت الذي يتفق لبعضهم بعد موته

وأنه يعيش خاملاً ويشتهر ميتاً كمعروف الكرخي الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ معظم السبب في ذلك الحسد الذي يعتري أكثر الناس لا سيما إذا كان المحسود قريب المنزلة من الحاسد أو كان في درجته من النسب أو الولاية والبلدية أو ما أشبهها فإن هذه النسب إذا تقاربت بين الناس فاشتركوا فيها ثم انفرد واحد منهم بفضيلة نافسه الباقون فيها وحسدوه إياها حتى يحملهم الأمر على أن يجحدوه آخر الأمر ولذلك قيل‏:‏ أزهد الناس في عالم جيرانه لأن الجوار وكثرة الاختلاط سبب جامع لهم يتساوون فيه فإذا انفرد أحدهم بفضيلة لحق الباقين ما ذكرته‏.‏

وربما كان سبب زهدهم فيه غير هذا ولكن الأغلب ما ذكرته‏.‏

فأما البعيد الأجنبي فإنه لما لم يجمعه وإياه سبب خف عليه تسليم الفضل له وقل عارض الحسد فيه لأجل ذلك إذا مات المحسود وانقطع السبب الذي بينه وبين الحساد أنشئوا يفضلونه ويسلمون له ما منعوه إياه في حياته‏.‏

  مسألة خلقية ما الحسد الذي يعترى الفاضل العاقل من نظيره

في الفضل مع علمه بشناعة الحسد وبقبح اسمه واجتماع الأولين والآخرين على ذمه وإن كان هذا العارض لا فكاك لصاحبه منه لأنه داخل عليه فما وجه ذمه والإنحاء عليه وإن كان مما لا يدخل عليه ولكنه ينشئه في نفسه ويضيق صدره باجتلابه فما هذا الإختيار وهل يكون من هذا وصفه في درجة الكلمة أو قريباً من العقلاء وقد قيل لأرسططاليس‏:‏ ما بال الحسود أطول الناس غماً قال‏:‏ لأنه يغتم كما يغتم الناس ثم ينفرد بالهم على ما ينال الناس من الخير‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو على مسكويه - رحمه الله‏:‏ الحسد أمر مذموم ومرض للنفس قبيح وقد غلط فيه الناس حتى سموا غيره باسمه مما ليس يجرى مجراه‏.‏

وهذا بعينه هو الذي غلط السائل حتى قال‏:‏ ما الحسد الذي يعترى الفاضل لأن من يكون فاضلاً لا يكون حسداً‏.‏

وسنتكلم على الحسد ما هو لتعرف مائيته فيعرف قبحه ويوضع في موضعه ولا يخلط بغيره فنقول‏:‏ إن الحسد هو غم يلحق الإنسان بسبب خير نال مستحقه ثم يتبع هذا الانفعال الرىء أفعال أخر رديئة فمنها أن يتمنى زوال ذلك الخير عن المستحق ويتبع هذا التمنى أن يسعى فيه بضروب الفساد فيتأدى إلى شرور كثيرة‏.‏

فمن عرض له عارض الحسد الذي حددناه فهو شرير والشرير لا يكون فاضلاً‏.‏

ولكن لما كان هذا الغم قد يعرض الإنسان على وجوه أخر غير مذمومة غلط فيه الناس فسموه باسم الحسد ومثال ذلك أن الفاضل قد يغتم بالخير إذا ناله غير مستحقه لأنه يؤثر أن تقع الأشياء مواقعها ولأن الخير إذا حصل عند الشرير استعمله في الشر إن كان مما يستعمل أو لم ينتفع به بتة‏.‏

وربما اغتنم الفاضل لنفسه إذا لم يصب من الخير ما أصابه غيره إذا كان مستحقاً مثله‏.‏

وإنما لما اسم هذا حسداً لأن غمه لم يكن بالخير الذي أصاب غيره بل لأنه حرم مثله‏.‏

وإذا آثر لنفسه ما يجده لغيره لم يكن قبيحاً بل يجب لكل أحد إذا رأى خيراً عند غيره أن يتمناه أيضاً لنفسه لأن هذا الغم لا يتبعه أن يتمنى زوال الخير عن مستحقه‏.‏

وقد فرقت العرب هذين‏:‏ فسموا أحدهما حاسداً والآخر غابطاً‏.‏

ونحن نؤدب أولادنا بأن ندلهم على الأدباء ونندبهم على فضائلهم فإن ذا الطبع الجيد منهم يتمنى لنفسه مثل حال الفاضل ويسلك سبيله ويجتهد في أن يحصل له ما حصل للفاضل وبهذه الطريقة ينتفع أكثر الأحداث‏.‏

وأما ذو الطبع الردىء فإنه يغتم بما حصل لغيره من الأدب والفضل ولا يسعى في تحصيل مثله لنفسه ولكنه يجتهد في إزالته عن غيره أو منعه منه أو يججده إياه أو يعيبه به فهو حينئذ حاسد شرير‏!‏‏!‏‏!‏ فأما قولك إن هذا العارض لا فكاك لصاحبه منه لأنه داخل عليه إلى آخر الفصل فإني أقول‏:‏ إن الانفعالات - أعني ما لا يكن نحو الاستكمال - كلها مذمومة لأنها من قبيل الهيولى ولذلك لو أمكن الإنسان ألا ينفعل بتة لكان أفضل له ولكن لما لم يكن إلى ذلك سبيل وجب عليه أن يزيل كل ما أمكن إزالته من الانفعالات ليتم ويكمل وذلك بالأخلاق والآداب المرضية ويحصل له ذلك بسياسة الوالدين أولاً ثم بسياسة السلطان ثم بسياسة الناموس والآداب الموضوعة لذلك فإن الإنسان يستفيد بهذه الأشياء صوراً وأحوالاً ثم تصير قنية وملكة وهي المسماة فضائل وآداباً‏.‏